رواية كريم الدين وكريمه كامله جميع الفصول

الفصل الثالث من هنا
كانت أم لمياء تختفي داخل سرداب في قصرها وتحذر من الخروج لأنّ الأمير بثّ العيون والجواسيس في المدينة ،وقد فتّش رجال السّلطان القصر مرّات عديدة لكنّهم لم يعثروا على شيئ لأنّ مدخل السّرداب كان بئرا صغيرا في الحديقة ،ولمّا يأسوا منها أصبحت تخرج في الليل ،و لكي لا يراها أحد من الخدم ،فلقد وعد السلطان بمكافئة لمن يعطي معلومات عنها .
وذات ليلة اجتمعت مع أقاربها ،وقرّروا الكيد للأمير عند أبيه ،وإطلاق إبنتهم المحبوسة ،والكفّ عن مطاردة أمّها ،قال الزوج :لقد دسست أحد أعواني ضمن عبيد الأمير الذين يقومون على خدمته، وأعلمني أنّه سيخرج غدا للفسحة، وصيد الطيور والأسماك في المستنقعات التي امتلأت بالماء بعد نزول الأمطار في اليومين الفائتين ، وسيتكلف بإلهاء العبيد بالخمر الجيّد الذي سأعطيه له ،ونحن سنغرق ذلك الأمير اللئيم مع تلك المتشرّدة ،وبعد ذلك سأدفع مالا لعبيده كي يشهدوا أمام السلطان أنّ الأمير أغوى لمياء ،ولمّا خاف إفتضاح فعلته زجّ بها في السّجن ،وسأدّعي بأنّ كريمة ليست أميرة وإنما إبنة أحد القرويين، ولقد كذبت عليه ،وسآتي بقروي ليقول ذلك أمامه،كانت المرأة تستمع وقد لاح عليها الرضا ،وقالت : ليس أمام السلطان إلا تصديق ما نقوله ،وبعد ذلك نتخلص من جميع الشهود لكي لا يفتحوا أفواههم بكلام آخر .
في الغد خرج صفيّ الدين وكريمة إلى المستنقعات ولمّا وصلا دهشا لكثرة الطيور، وبدأ الأمير بإطلاق سهامه عليها فلم يخطأ أيا منها ،وفعلت كريمة مثله، فلقد علمها أبوها الرماية منذ صغرها ،وبعد فترة أصبح الصيد وافرا فقررا جمعها وتسليمها للعبيد ليعدّوها لطعامهم ،في تلك الأثناء قال العبد لرفاقه إنّ الأمير يقضي وقتا طيّبا مع زوجته ،ما رأيكم بقدح من الشراب المعتق ؟ لنا الحق أيضا أن نستمتع ببعض الوقت ،ترددوا قليلا لكن لمّا رأوا العبد يشرب دون خوف ،مدّوا أقداحهم ،وشربوا القدح الواحد تلو الآخر حتى سكروا ،أصبح الأمير دون حماية .
ولمّا رأى يعقوب أبو لمياء ذلك تسلل مع رجاله وراء الصّخور وأشهروا سيوفهم ورماحهم على صفيّ الدين وكريمة الذين فوجئوا بالقوم يسدّون عليهم منافذ الهرب، ويقبضون عليهم ويربطون في أرجلهم حجرا ثقيلا ثم أركبوهما زورقا وإتجهوا بهما إلى وسط المستنقعات ،كان الضّفدع أخو كريمة مختفيا في جيب أخته ،وفهم ما يريدون فعله ،فقفز في الماء دون أن يحسّ به أحد ،وصاح في الضّفادع أن أخته في خطر ويجب مساعدته في إنقاذها وبلغ السّرطانات الأمر، فركبت على ظهور الضّفادع التي بدأت في القفز بسرعة .
وبعد قليل سمعوا صوت إلتطام جسمين بالماء، وبدأ صفي الدين وكريمة بالغرق ،لكن وصلت السّرطانات في الوقت المناسب ،وقطعت الحبال بمقصّاتها ،أمّا الضّفادع ،فجمعت طحالب كثيرة وغطوا بها رأسيهما، وعندما إلتفت من كان بالقارب ورائهم لم يلاحظوا سوى دوائر كبيرة من الماء وفقاعات هواء أحدثتها الضفادع ليعتقدوا أن الأمير ورفيقته قد غرقا ،وبقيا في الماء حتى إبتعد القارب وانصرف من كان عليه.
ولمّا خرجا من الماء ،وجدا العبيد نائمين فأيقظهم صفيّ الدين بعنف ولامهم على تقصيرهم ،وأمرهم بإشعال نار ليتدفأ عليه هو وامرأته ويجفّفان عليها ملابسها ،وضع العبيد عليهما رداءين وأعدّوا لهما شرابا ساخنا ،فدبّت فيهما الحياة ،ثم طبخوا الطيور فأكل الجميع ،وخفّ غضب الأمير بعد أن علم بخدعة العبد ،وعرف أنّ كل شيء كان مدبّرا بعناية .
قال صفيّ الدين إنّ رجوعنا اليوم غير مأمون العواقب، فأهل لمياء من ذوي النفّوذ في المملكة، وأبوها يعقوب يسيطر وحده على ربع التّجارة، ولا شكّ أنه روى الأكاذيب لأبيه ليعفو عن زوجته وإبنته ،هنا لدينا الطعام والماء وسأرسل بعض العبيد ليأتينا بمال و وملابس قبل يشدّدوا الرقابة على القصر،سنبني كوخا فوق شجرة التوت التي كنت عليها ،ما أعجب القدر يا كريمة ،رجعنا إلى نفس المكان الذي تقابلنا فيه أوّل مرّة !!!
في الطريق وجد يعقوب فلاحة ترضع إبنها ،ولمّا رآه تعجّب من حسن منظره ،فطلب منها أن تعطيه له مقابل ثمن كبير
،فرفضت ،فإنتزعه منها ،ولمّا جاء قومها لنجدتها ضربهم رجاله ،وأحرقوا قريتهم ومحاصيلهم ،فهربوا إلى الغابة وقد علا بكائهم ،رجع يعقوب إلى قصره وقال لإمرأته حبيبة: أبشري يا امرأة لقد إسترحنا من الأمير، وقريبا ستجدين حرّيتك أنت وإبنتك ،وعندما شاهدت الطفل سألته: أين عثرت عليه ؟ هل قررت أن يكون لك صبيّ ،وأنت في هذه السنّ ؟ قال لها بسرور : كنت أظنك أذكى من ذلك ،هذا الصبي سيجعلنا نصل إلى العرش ،ألم تكن هذه رغبتك لمّا استبدلت إبنتك لمياء بكريمة ؟ لكنها كانت خطة غبيّة ،وفشلت بسبب حمقك !!!
في المساء طلب رؤية السلطان، وحكى له عمّا فعله الأمير في حقّ إبنته الوحيدة ،وبالطبع لم يصدّق السّلطان فأحظر له شهودا من أهل القصر رشاهم بصرّة من المال فأكّدوا ما إدّعاه يعقوب ،وأنّ الأمير غرّر بها ،ووعدها بالزواج .وحضر أحد القرويين مع زوجته ،وزعما أنّ كريمة إبنتهما ،وأنها إحتالت على الأمير لتتزوّج منه ،وكلّ ما قالته له هو من خيالها ..
غضب السلطان لمّا سمع هذه الحكاية ،وقال : لمّا يرجع إبني ،سأسأله ،ولو كانت هذه الحقيقة ،عليه أن يطلّق كريمة، ويتزوج لمياء ،أمّا الآن سآمر بإطلاق البنت من السجن، والعفو عن أمها ،وأريد رؤية لمياء لأعتذر منها بنفسي ،رجعت البنت إلى قصر أبيها، وأصلحت من شأنها ،وأعطتها أمّها وسادة صغيرة ،قالت لها اربطيها على بطنك ،إستغربت لمياء ،وسألتها: لماذا يا أمي ؟ أجابتها : إسمعي !!! يجب أن يتوهّم السّلطان أنّك تنتظرين مولودا من إبنه صفي الدّين ،ولهذا السبب حبسك ،ولمّا يموت، تصبحين أنت الملكة هل فهمت ؟
قالت لمياء يجب أن نتخلّص أيضا من الأمير، وهذا أكثر صعوبة ،أجابت أمها لقد غرق البارحة في المستنقعات، وإسترحنا منه،ولا شيئ يقف الآن في طريقنا ….
…
يتبع
لمتابعة القراءة اضغط على الرقم التالي في الصفحة التالية 👇